الجزء الثاني من الفصل الرابع لرواية “شهوة القتل” للكاتبة سهير ربيع – جريدة مصر المنارة
ملابس أبو عمار
قراءة

الجزء الثاني من الفصل الرابع لرواية “شهوة القتل” للكاتبة سهير ربيع

#رواية شهوة القتل
#سهير ربيع

الفصل الرابع
الجزء الثاني


تجاورنا حول المائدة الصغيرة، لم تكن لدى شهية لتناول الطعام، وربما لأن الطعام تغير مذاقه فلم أعد أشتهيه ولا أشتهى شيئًا آخر، أغرق فى غمرة الذهول ولم أبصر تلك العينان اللتان ترقبنى فى صمت، قال أبى : لكى تنسي ياراجيه لابد أن تبحثى لك عن عمل مجزى .


طأطأت رأسي بالإيجاب، فصمت وصمت الجميع كأنما على رؤسنا تقف طيورًا، فقطع الصمت صوت أمى الحنون موجه لى : لماذا لا تأكلين ؟ تناولى طعامك يا ابنتى .


عندما وضعت اللقمة الأولى فى فمى، شعرت بمعدتى تعتصر ألمًا فتنحيت عن المائدة مسرعة للمرحاض أفرغ ما يؤرقها، وخلفى أمى قلقة تود بث طمأنتها منى !

الحياة تقسو علينا عندما تتيقن من أننا قليلى الحيلة ضعفاء، فالحياة لا تنصف إلا الأقوياء، هؤلاء الذين يصنعون عالمهم الخاص بكل ما أوتوا من قوة وحيل ووسائل .

فى كل مساء ألتصق بأختى على فراشنا الصغير كطفل يحتضن أمه خوفًا من الغول، علياء كانت تشعر بالقلق وتتعجب من طباعى الجديدة وصارحتنى مرة بعد مرة بقلقها على من تلك الحقبة الجديدة التى أعاصرها، قلبى يؤلمنى عندما أتذكر أيامى الماضية وأوجاعها وأحزانها وأطيافها التى لا تزال تطاردنى أينما حللت، عندما أغمض أجفانى أراهما غارقين بدمائها وأرى وجوه مرعبة وأسمع أصوات مرعدة تبعث بداخلى مخاوف لا حدود لها .

لم يكن من الهين تجاوز الماضى وكأن الذكريات لعنة تؤرق أرواحنا المعذبة …

ينعكس ضوء الصباح الذى يتخلل النافذة الخشبية على عينى، فأتيقن أننى ولدت تارة أخرى, لوهلة تنتابنى بعض الهواجس فأتحسس جسدى ووجهى ظنًا أننى مت، وسأعاقب على كل ما بدر منى، ومثل كل صباح ؛ أستيقظ بفرحة عابرة وحزن دفين وأوجاع لا حصر لها، تعد أمى طعام الإفطار ونجلس متقاربات، ولولا خروجها من غرفتها تتدلل وتتمايل لكنا سعيدات قانعات، ويأتى أبى بعدها، يجلس بجوارها يتبادلا نظرات وقحة ويتغامزا، وأمى داخلها يحترق وتتوجع أشعر بها وبألامها ولما لا وتصدح ضحاتهما كل مساء فى أرجاء المنزل !

قصت على علياء الكثير من المشاكل التى تعرضت لها أمى منذ زواجه، ورغم أنها إعتادت إهانته وإهماله لها إلا أن أوجاع الزواج من أخرى لا حد لها، ولما لا وقد كان يفيض عليها من الرعاية والمحبة والإهتمام، بينما أمى غدت كقطعة القماش البالية لا يعيرها أدنى إهتمام …

– سوف أذهب للعمل .

إستفقت من شرودى على تلك الكلمات ينطق بها أبى الذى نهض واقفًا وتركنا وغادر , وأعقبتها زوجته , وقفت تتمايل وتقذف كلمات كأحجار فى وجوهنا : سوف أخلد للراحة , لم أنم ليلة البارحة .. لا تصدروا صوتًا عندما تنظفون المنزل أو تعدون طعام الغداء .

ثم استدارت لى وأردفت : وأنتِ إبحثى لك عن عمل كما كنتى تعملين، أقل ما هنالك تساعدى أباكِ على إطعامك .

كلماتها أوجعتنى وألهبت مشاعرى ولم أعى عندما وقفت أمامها أصرخ فيها وأقذفها بكلمات من لا حيلة لها :
– دعينى وشأنى
ربتت علياء على كتفى وقالت : دعيها تحترق ولا تلقى لها بالًا …

ولم تمهل زوجة أبى علياء وقت لإكمال كلماتها إذ جذبتها من شعر رأسها بقوة وصفعتها، فأمسكت ذراعها قبل أن تعيد الكرة وأزحتها وانضمت إلى أمى، وما بين شد وجذب كدنا نلقنها درسًا لولا دخول أبى المفاجئ، ذهل من المشهد وصرخ قائلًا : ماذا تفعلون ؟

إلتقفها من بيننا وإنهال علينا بالسب واللعن، لم يمهلنا فرصة للتفوه والتبرير، وكالأفعى أختبأت بين ذراعيه وأخذت تشكونا إليه، وتختلق أمور لم تحدث وبالفعل إشتاط أبى وزمجر وقال بجبروت : اخرجوا أنتم الثلاثة من منزلى، إذهبوا إلى الجحيم .

انقض على أمى وجذبها من رسخها وهم بضربها لولا أننى وقفت حاجزًا بينهما ولسان حالى يقول : لا تظلم أمى زوجتك من بدأت بالغلط , هى من إبتدع المش…

لطمات متلاحقة على خدى قطعت سيل كلماتى وحبست الصوت بداخلى، للدقائق أحسبها ساعات سكتت الأصوات وإرتفع طنين عزلنى عن الواقع كل ما أراه أيدٍ تسحبنى من أمامه وأمى تتكوم على الأرض تحت قدميه بينما يكيل لها الضربات والركلات، شيئًا فشيئًا بدت الصورة هلامية وارتفعت الصرخات حتى تجمع بضع نفر من الجيران، اتضحت الأصوات قليلًا، أسمع كلمات تهدأتهم لأبى الثائر وكلماته المتوعدة لنا .

– لقد نسيت الهاتف فعدت لأخذه لأجدهم الثلاثة يضربونها بوحشية
رنين كلماته على سمعى أغرقنى فى بحور تتلاطم أمواجها من الألم والحزن، أوجعنى قلبى بينما تردد نبضاته : أنتن لا قيمة لكن، أنتن زهيدات الثمن .

قالت إحدى جاراتنا : أين سيذهبن ؟ إتقى الله .

صرخ بوجهها كنسر جريح وقال : هذا ليس من شأنى
علياء تختبئ بين ذراعى أمى فى ركن قصى من الصالة بينما تسيل دموعهما، ثم وبلا مقدمات صرخت علياء :
– أمى …
أمى تقبض على قلبها بيديها وتسقط من بين ذراعى علياء على الأرض تئن وتتوجع ثم يغشى عليها .

ملابس أبو عمار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق