الجزء الأول من الفصل الخامس .. لرواية ” شهوة القتل” .. للكاتبة سهير ربيع – جريدة مصر المنارة
قراءة

الجزء الأول من الفصل الخامس .. لرواية ” شهوة القتل” .. للكاتبة سهير ربيع

#رواية شهوة القتل

#سهير ربيع

الفصل الخامس الجزء الأول

إصطحبنا بعض جيراننا إلى المستشفى، تعج بالمرضى، شعرت بيد تربت على كتفى وصوت يقول : لا تبكى يا ابنتى، سوف تتحسن والدتك .

لم أكن أعرف أننى أبكى، ولم أشعر بدموعى التى تغرق وجهى المحتقن إثر الضرب، لم يهتم أحد لتوسلاتنا إلا عندما توجهت السيدة سوسن جارتنا لغرفة فى أخر الممر، وخرجت مصطحبة ممرضة فى عامها الأربعين مثلها، اقتربت يهتز جسدها الممتلئ، ألقت نظرة على والدتى التى نطأبطها وقالت مشيرة لغرفة فى الجانب الأخر من الردهة : خذوها لتلك الغرفة وسأحضر الطبيب حالًا .

وقف الطبيب حائرًا بعدما فحص أمى، باءت محاولاته لإفاقتها بالفشل، نظر لنا بإرتياب وقال : مبدئيًا يبدو أنها حالة أزمة قلبية نتيجة التعرض لضغط نفسى وعصبى شديد . شهقت بينما إنتحبت علياء وإختبأت بين ذراعى . أردف الطبيب : أمكما بحاجة لعمل أشعة سينية ورسم قلب وتحاليل للدم .

 لكن … خرج صوتى كحشرجة من حنجرتى الجافة , قال الطبيب : – ماذا ؟ – فقراء بل معدمون ولا نملك شيئًا . نهرتنى إحدى جاراتنا قائلة : ماذا تقولى يا راجيه، كلنا معك ولن نتركِ . قال الطبيب : جيد … قسم الأشعة بالدور العلوى، والمصعد الكهربائى آخر الرواق . صعدنا للدور العلوى، بدأ الأطباء فى عمل الأشعة والفحوصات عقب دفع مبلغ مالى للخزنة، وبعدما يقرب من الساعة خرجت ممرضة تدفع سريرًا متحركًا، أسرعنا صوبها، نلقى نظرة فزعة على والدتى الغارقة فى اللاوعى , بادلتنا الممرضة نظرات قلقة بعيون باكية فإستهلت الكلام : لا تقلقا ستكون بخير … سأخذها الآن لغرفة العناية الفائقة لتلقى العلاج الملائم لحالتها .

نغفو ونصحو بين أحضان الحزن، وتتزايد الهموم مخلفة تجاعيد تنمو كطفيل يتسلق ملامحنا الجامدة، ولا تقدر الأعمار بالأعوام وإنما بالآلام . أصرت جاراتنا على إصطحابنا للمنزل علنا نحظى ببعض الراحة، لكن العناء لعنة تلازم التعساء أمثالنا، قلبى كاد يتهشم متناثرًا كقطع الزجاج، عندما ظهر وجه أبى العابس من قتحة الباب، قالت إحدى جاراتنا : السلام عليكم يا أبا راجية . عندما رءانا معهم إستدار للداخل قائلًا : وعليكم .. ماذا ؟ – راجية وعلياء … – لا أعرفهما ولا أريد رؤيتهما تارة أخرى – لكنها فتاتين ولا يليق بك قذفهما فى الشارع، هما عرضكَ – فليذهبا للجحيم .. هذا لا يعنينى . كاد يغلق الباب , لكزت الجارة فإقتربت منى، فهمست لها برغبتنا فى الحصول على ملابسنا، وبعدها فليفعل القدر ما يشاء . سمح لنا بالدخول لأخذ ملابسنا، وعندما ولجنا للداخل كانت تقف فى منتصف البهو بقميص نومها فاتح اللون، رمقتها بحقد بينما ترمقنى هى بنظرات ساخرة مستفزة، وبسمة شامتة على شفتيها، جذبتنى علياء حتى غرفتنا، جمعنا أغراضنا وأغراض والدتى فى حقيبتين صغيرتين، بينما تتناهى لأسماعنا أصواتهم العالية القادمة من غرفة الصالون : يا أبا راجية سامحهما، فهما فتاتان، يكفى ما حدث لوالداتهما . – كما قلت سابقًا يا ست سوسن هذا لا يعنينى , أنا لا أريدهم فى منزلى . – ولكن … – من فضلك هذا يكفى، لا أريد مزيدا من الجدال . فجأة إرتفعت الأصوات كأنهم يتشاجرون، وقد كانت تلك فرصتى الأخيرة، غرفة نومهما كانت مفتوحة، فلقد غفلت عن إغلاقها عندما خرجت تجادل السيدتين اللتين إصطحبانا لهنا، أسرعت داخلها أبحث عن أى شئ، فلم أجد بإحدى الأدراج سوى مفاتيح المنزل، فخبأتهم وخرجت مسرعة ألحق بأختى، صمتوا عندما خرجنا عليهم ورأيت فى عينيه نظرات بغض شديد قالت الجارة الأخرى : هل أحضرتما أغراضكما ؟ أجابت علياء بالإيجاب، فنهضا واقفين وخرجا معنا، قالت السيدة سوسن : أين ستذهبان ؟ انتحبت علياء بينما قلت : سوف نذهب للإقامة عند إحدى قريباتنا فى السيدة زينب . رمقتنى علياء بنظرات مستفهة، بينما قالت جارتنا الثانية : بإمكانكما الإقامة عندى إذا كنتما لا تعارضان . نظرت لى علياء بأريحية فهززت رأسي نافية وقلت : إطمئنى سوف نكون بخير , شكر الله لكم ما فعلتموه لنا، وسوف أحضر النقود التى إقترضناها عاجلًا . ربتت السيدة سوسن على كتفى وقالت : لا يا عزيزتى لا نريد تلك النقود , الأهم أن نطمئن عليكم , وكونى على يقين أن منازلنا مفتوحة وقتما شئتم . – شكرًا لكِ وإنى لا أجد كلمات أعبر بها عن إمتنانى لكم , سوف نذهب الأن لقريبتنا وبعدها نعود للإطمئنان على والدتى . – معكما الله وحفظكما . سرنا متجاورين فى الشارع الرحب، حولنا ضجيج وبداخلنا غربة وتشرد، قالت علياء : إلى أين نمضى ؟ – لا أعرف وجهة .. ما رأيك أن نبيت الليلة فى شقتى؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق